|   24 سبتمبر 2021م
السابقالتالي


راعي الحفل والحضور الحضور

افتتحت الجامعة صباح اليوم الإثنين الموافق(23/4/2018م) الندوة الدولية "الشيخ العلامة منصور بن ناصر الفارسي، حياته وفكره" وذلك تحت رعاية معالي الشيخ سعود بن سليمان بن حمير النبهاني –مستشار الدولة- حيث بدأ حفل الافتتاح بآي من الذكر الحكيم، تبعته كلمة مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية ألقاها الدكتور محمد بن ناصر المحروقي –مدير المركز- قال فيها:" إن هذا اللقاء لهو من سوانح الدهر القليلة التي ينبغي أن تقتنص ويستفاد منها في طرح المهم والملح من موضوعات البحث العلمي. وعماننا والحمد لله تشهد نهضة علمية نشطة، وقد انتشرت الجامعات والمراكز البحثية في ربوع الوطن. والأسئلة التي تطرح نفسها: هل استراتيجيات البحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية تتسم بالقوة والديمومة؟ هل الإنتاج المعرفي في هذا المجال الحيوي يصل لسقف المأمول والممكن؟ هل نستطيع بلورة خطة استراتيجية وطنية فاعلة للاهتمام بالتراث الثقافي العماني؟ وبالنظر إلى تاريخ عمان العظيم الضارب في القدم والغزير في الإنتاج، من جهة، والدراسات التي تستنبط هذا الإنتاج نشعر بالأسى الشديد على الفارق الكبير بينهما، وعلى التقصير الكبير في تقديمه للعالم محققاً مدققاً وفقاً للرؤى العلمية المعاصرة. ولا بد من الإشارة - ولو سريعا-  أن الاحتفاء بالماضي لا يعني قولبته وإكسابه التقديس، بل لا بد من نخله ودراسته دراسة موضوعية تأخذ سمينه وتترك الغث منه".

كلمة الدكتور المحروقي في افتتاح الندوة

وأضاف المحروقي قائلا" إن آلاف المخطوطات وعشرات الآلاف من الوثائق المتصلة بالتاريخ والتراث العماني والمتوزعة في أماكن مختلفة داخل عمان، وخارجها في فارس والهند والبرتغال وشرق أفريقيا تتعرض يوما بعد يوم للضياع، وتتعرض لحملة منظمة لجمعها وتزيفها وإعادة تقديمها وفقاً لرؤى، أقل ما يقال عنها إنها ضد مصلحة عمان". وأوضح المحروقي بأن هذه الندوة" تأتي من جامعة نزوى، ممثلة في مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية في المسار المشار إليه من الدراسة الموضوعية المتأنية للتراث العماني، وتقديمه تقديما علمياً وفقاً للمناهج الحديثة. وهذه الندوة امتداد للندوة الدولية "الإمام محمد بن عبدالله الخليلي ودوره العلمي والحضاري في عمان". فالشيخ الفارسي أحد أركان هذه الدولة، وأكثر معاصريها إنتاجاً في علوم الشريعة والعربية، وتكفي الإشارة أن للشيخ الفارسي خمسة عشر عملاً لم ير النور سوى أربعة إصدارات منها. إن الرسالة الأولى التي تبعثها هذه الندوة إلى الباحثين و الأكاديمين هي المبادرة إلى تحقيق تلك المخطوطات ونشرها. ولأجل ذلك، ولغرض تحفيز شداة الباحثين ارتأت اللجنة المنظمة وضع مسابقة لكتابة البحوث الرصينة عن إنتاج الشيخ الفارسي، معتمدة على مخطوطاته ووثائقه. وستقدّم للفائزين جوائز قيّمة، وسينشر في القادم من الأيام المزيد من التفاصيل حول هذه الجائزة". واختتم حديثه بشكر الباحثين المشاركين في الندوة، والمساهمين في إنجاح الندوة والعاملين عليها.

كلمة الشيخ ناصر الفارسي

بعد ذلك قدم الشيخ ناصر بن منصور الفارسي كلمة أسرة العلامة الفارسي رحب فيها بالحضور والمشاركين، مشيرا إلى أن هذه الندوة تأتي ضمن سلسلة من الندوات التي ينظمها مركز الخليل الفراهيدي احتفاء بالعلماء وإبرازا لجهودهم وتراث عمان العريق، شاكرا الجامعة على الجهود التي تبذلها في هذا المجال.

وكان لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي –المفتي العام للسلطنة- كلمة بهذه المناسبة قدمت في تسجيل صوتي قال فيها:" إن الاحتفاء بالعلماء واجب على الأمة وهو مآثر  للعلم وأهله. فالعلماء كما قيل هم أحياء بسبب ما يتجدد للناس من نفعهم، فهم وإن رمت أجسامهم في القبور، إلا أنهم أحياء بما قدموه لله سبحانه وتعالى، وبما قدموه إلى الناس من خير من خلال مؤلفاتهم ومن خلال فتاواهم ومن خلال تبصيرهم بدينهم وإرشادهم إلى الحق وتعريفهم به، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فإن هذا كلهم مما يتجدد له الأجر، كما جاء في الحديث عن النبي صل الله عليه وسلم: "إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ". فالإنسان ولو خرج من هذا العالم إلى عالم البرزخ فإنه إن كان قدم نفعا للناس وصار هذا النفع متجددا يتجدد له أجره، والعلم لا ريب أنه يتجدد في العصور، في كل عصر عندما يُنشر ويُبين، والآن قد هيأ الله سبحانه وتعالى نشر مآثر أهل العلم بالمطابع التي تدوّن مؤلفاتهم وتنشرها فيما بين الناس".

وعن العلامة الفارسي قال:" وإن من العلماء الذي لهم القدر الكبير والمكانة العالية في هذا المجتمع العماني، الشيخ العلامة منصور بن ناصر بن محمد الفارسي، الذي كان قاضيا في أيام الإمام الخليلي وصار قاضيا من بعد في عهد السلطان سعيد بن تيمور، فهو معروف بعلمه ومعروف بقضائه ومعروف بصرامته في القضاء؛ بحيث كان لا يجرد أحدا وإنما يحرص على كلمة الحق يقولها وعلى الحق ينفذه بين الناس من خلال حكمه بين الناس، مع هذا كله خلد الله سبحانه وتعالى له ذكره فيما تركه من مؤلفات سواء منها ما كان يتعلق بجانب الفقه، أو كان منها ما يتعلق بجانب علوم العربية والأدب، فكلها مؤلفات نافعة، ولا ريب أن الخلف إن قدر للسلف واحتفى به وسار على نهجه، فإن مآثر ذلك السلف تتجدد في الخلف، فخير الناس من كان ذا حسب قديم وخلد لنفسه حسبا جديدا بما يقدمه من الأعمال النافعة، فعندما يحتفى بهذه النماذج من العلماء الربانيين الذين أولو الشريعة الإسلامية عناية بالغة، لا ريب أن أولئك المحتفيين بهؤلاء يتجدد فيهم الخير بتجدد هذا الاحتفاء، وبتجدد المآثر التي خلدها المحتفى لهم من خلال مؤلفاتهم ومن خلال  فتاواهم ومن خلال تبصيرهم للناس وأمرهم إياهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر".

كلمة الشيخ السيابي عن حياة العلامة الفارسي وسيرته

وقدم سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي –الأمين العام بمكتب الإفتاء- نبذة عن حياة الشيخ الفارسي تحدث فيها عن أسرة الشيخ الفارسي والتي اتصفت بالعلم والدين فنشأ الفارسي نشأة علمية وحقق وتحقق له ما لم يتحقق لأجداده وآبائه من قبله، ثم انتقل للحديث عن سيرته العملية فبعد أن عينه الإمام محمد بن عبدالله الخليلي معلما في فنجا لثلاث سنوات، عينه قاضيا وانتقل إلى نزوى ليكون بجوار إمام المسلمين وكانت هذه أخصب أيام حياته حيث تكونت لديه علاقة قريبة من الإمام وتخرج على يديه العديد من العلماء أقربهم له الشيخ سيف بن محمد الفارسي والذي كان أكثر من كتب عن العلامة الفارسي. عايش الفارسي الإمام محمد بن عبدالله الخليلي والإمام غالب بن علي الهنائي والسلطان سعيد بن تيمور البوسعيدي، وعاصر العديد من القضايا السياسية في ذلك الوقت وكانت له العديد من المواقف والفتاوى، وتوفى رحمه الله في العام 1975م بعد أن عمل قاضيا ومعلما وطبيبا وفقيها وعالما باللغة والأدب. واختتم السيابي حديثه بشكر أسرة الشيخ الفارسي على إتاحة المجال للباحثين للتعرف على مخطوطات العلامة وإنجازاته وآثاره العلمية.

وبهذه المناسبة قدم مركز الفراهيدي فيلما وثائقيا عن العلامة الفارسي تضمن سيرته العلمية وتنقله في طلب العلم وبعض مواقفه وعلاقته بالإمام الخليلي، كما تضمن مجموعة من أقوال العلماء عنه وأقوال المستشرقين والكتاب الأجانب ممن عرفوه وعاصروه.

جانب من افتتاح المعرض المصاحب للندوة جانب من افتتاح المعرض المصاحب للندوة جانب من افتتاح المعرض المصاحب للندوة

وفي نهاية حفل الافتتاح تفضل راعي المناسبة بافتتاح المعرض المصاحب للندوة والذي يضم مجموعة من المخطوطات والآثار للشيخ الفارسي والتي لم تنشر بعد، إضافة إلى إصدارات مركز الخيل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية.

جانب من جلسات الندوة العلمية

·        الأوراق البحثية المقدمة في اليوم الأول للندوة:

بعد ذلك واصل الباحثون أعمال الندوة حيث قدمت في الجلسة العلمية الأولى أربعة أوراق بحثية تدور حول المحور التاريخي للشيخ الفارسي، كانت الأولى بعنوان "جهود الشيخ الفارسي في القضاء" للشيخ الدكتور عبدالله بن راشد السيابي-نائب رئيس المحكمة العليا-، فيما كانت الورقة الثانية بعنوان" علاقة الشيخ الفارسي بالإمام محمد بن عبدالله الخليلي: دراسة تاريخية" قدمتها الدكتورة بدرية بنت محمد النبهانية، وهدفت دراستها إلى إبراز العلاقة التاريخية بين الإمام محمد بن عبد الله الخليلي والشيخ الفارسي، من خلال محورين رئيسين هما: العلاقة العلمية بين الإمام والشيخ الفارسي؛ علاقة شيخ بتلميذه. والعلاقة السياسية بين الإمام وأحد موظفي دولته.

جانب من جلسات الندوة العلمية جانب من جلسات الندوة العلمية

 أما الورقة الثالثة فكانت بعنوان "الشيخ الفارسي حياته العلمية وعلاقته بعلماء عصره" قدمها الأستاذ خليل بن محمد الحوقاني، عرف فيها بشخصية الشيخ الفارسي: اسمه ونسبه، مولده ونشأته، عائلته وأولاده، ثم صفاته، وفاته ورثاؤه. ثم تحدث عن حياته العلمية، (مرحلة الطلب والعطاء)، وأشار فيها إلى أهم شيوخه وتلاميذه، ومؤلفاته. كما تطرق إلى الحديث عن علاقة الشيخ الفارسي بعلماء عصره كالإمام الخليلي وغيرهم من أركان دولته.

وجاءت الورقة الرابعة بعنوان" قراءة في وثائق الشيخ الفارسي" للأستاذ سعود بن عبدالله الفارسي، وقد عنت بقراءة الوثائق التي تخص الشيخ العلامة منصور بن ناصر الفارسي، وقسمها الباحث إلى خمسة أقسام؛ الأولى منها عن الإخوانيات (الوثائق الاجتماعية) وهي عبارة عن وثائق تحتوي على رسائل إخوانية، أو كتابة وصايا، أو قسمة لمال. والثانية عن المراسلات العلمية والمتمثلة في مسائل وبحوث بين الشيخ منصور وأشياخه، أو بين الشيخ منصور وطلابه. أما الثالثة فهي عبارة عن صكوك بيع أو إقرار أو توكيل كتب بعضها الشيخ منصور بصفته قاضيا في تلك المنطقة، وكتب بعضها فيما يبدو بصفته شخصا له مكانته العلمية والاجتماعية. وكانت الرابعة عبارة عن القضايا القضائية وهي وثائق يظهر فيها جانبا من أحكام الشيخ منصور القضائية ونقاشه ومراسلاته لبعض العلماء والقضاة لهذا الصدد. وجاءت الأخيرة عبارة عن رسائل كتبها الشيخ منصور نيابة عن الإمام الخليلي.

الجلسة العلمية الثانية أدرجت تحت المحور التربوي والتعليمي، وتضمنت كذلك أربعة أوراق بحثية، جاءت الأولى تحت عنوان "معالم الشعر التعليمي عند الشيخ الفارسي" للدكتور سالم بن سعيد البوسعيدي، وتناول فيها عدة محاور، تحدث في المحور الأول عن قيمة الشعر التعليمي في عمان، وحضوره في عصر الشيخ، وعوامل اهتمام الشيخ به. وتناول المحور الثاني نتاج الشيخ في مجال الشعر التعليمي الديني، والشعر التعليمي اللغوي، والشعر التعليمي السلوكي، والشعر التعليمي التاريخي، أما المحور الثالث فيختص بإبراز السمات الفنية العامة في الشعر التعليمي عند الشيخ من حيث المستوى التركيبي (بناء المنظومة) والمستوى المعجمي (الألفاظ ودقتها ومستوى وضوحها) والمستوى البلاغي (الصور الشعرية)، وتحمل الخاتمة أهم النتائج والتوصيات التي خلصت إليها الدراسة.

وفي الورقة الثانية تناول الدكتور أحمد عبدالمنعم حالو الحديث عن المنهج التعليمي وملامح التجديد في "تقريب الأذهان إلى علمي المعاني والبيان" للشيخ الفارسي، مشيرا إلى أن الفارسي ألف مؤلفاته على ما كان عليه الناس من طرائق الأقدمين، إلا أنه ومن خلال مؤلفاته المخطوطة، وعلومه التي كان يتقنها ويعلمها لتلامذته، كانت له بصمة في محاولة التجديد، فيما اختطه من منهج تعليمي، أو رضي عنه ممن سبقه، مع ملامح بيِّنة من التجديد الذي خالط معظم عطاءاته العلمية، ويمكننا ملاحظة ذلك من خلال: سعيه إلى تحقيق السهولة واليسر في البلاغة «تقريب الأذهان إلى علمي المعاني والبيان»، وحضور المتلقي دائما، سواء في مدرسته، أو من خلال مؤلفاته النثرية والنظمية، أو من خلال الشروح من نحو شرحه للدرة البهية في علم العربية وغيرها، وتعد كلها في المنهج التعليمي المتبع عند علمائنا القدامى، إذ يُعنون بالإبانة والتوضيح وتيسير ما صعُب على الأفهام والأذهان وإضافة الشواهد اللازمة.

أما الورقة الثالثة والتي حملت عنوان" المنهج التربوي عند الشيخ الفارسي في التعليم" قدمها الأستاذ حمد بن سالم الراجحي، وقد هدفت إلى الكشف عن طبيعة المنهج التربويِّ الذي انتهجه فضيلة الشيخ الفارسي في التعليم، وتدريس الأبناء طرائق العلم، وذلك من خلال الإجابة عن عدة أسئلة هي: ما الطرق العلمية والتدريسية التي انتهجها الشيخ الفارسي في العملية التعليمية أثناء تعليمه الطلبة في مسجد الجماعة بفنجا؟ وما الطرق العلمية الحديثة التي انتهجها أثناء تعليمه الطلبة في جامع نزوى بعد انتقاله إليها؟ وهل انفرد الشيخ الفارسي بطرق تدريسية علمية عن غيره من العلماء والمعلمين، وما السبب في ذلك؟ وقد أجاب الباحث عن جميع هذه الأسئلة من خلال دراسة نماذج من كتب الفارسي الفقهية العلمية، وكذلك من خلال التواصل مع أصحاب الشأن من أقاربه ومعارفه، ثم من الاطلاع على ما كتبه الفارسي في سيرته الذاتية.

وفي الورقة الأخيرة لليوم الأول للندوة قدم الدكتور سعيد بن محمد الريامي ورقة بعنوان" علاجات الشيخ الفارسي، مدخل لفهم منهجية الأطباء القدامى في تشخيص وعلاج الأمراض" حاول فيها الباحث التعرَّفَ على نظريَّة الأقدمين في الطبِّ على إطار مرجعيٍّ، يتمثَّل في الفلسفة التي تقوم عليها الممارسة الطبِّية في العصر الحديث، والتي تتَّخذ من مجموعة من المعارف العلميَّة التطبيقيَّة أساسًا لها في تعليم الطبِّ وإجازة الطبيب. هذه المعارف هي علوم جسم الإنسان، وعلوم الأمراض، ومهارات الطب السريريِّ، والعلوم التشخيصيَّة، ثمَّ أخيرًا علوم الأدوية والمعالجات. واتخذ الباحث في ذلك وثيقةً للشيخ الفارسي، احتوت على قائمة طويلة من الأمراض ومسبِّباتها وعلاجاتها.

وهكذا انتهت أعمال اليوم الأول للندوة الدولية للشيخ العلامة منصور بن ناصر الفارسي حاملة بين طياتها العديد من الأوراق البحثية التي دارت حول المحورين المذكورين آنفا، وتتواصل فعاليات الندوة الدولية يوم غد الثلاثاء الموافق(15/4/2018م) لتشهد أوراقا بحثية جديدة لباحثين من أقطار عربية مختلفة وعن محاور جديدة تدور كلها حول حياة العلامة الفارسي العلمية وإنجازاته وآثاره في شتى العلوم.